الأربعاء، 3 مارس، 2010

كيف تصير الفتوى قانونا موازيا للقانون؟


أثارت فتوى الشيخ المغراوي القاضية بجواز زواج الطفلة التي تبلغ من السن 9 سنوات، نقاشا واسعا انصب في جزء كبير منه على الجانب "الظلامي" لهذه الفتوى المفارقة لمنطق العصر والتي تعكس فهما حرفيا للنص الديني كما تشكل خلال القرن السابع الميلادي. غير أن هذه الفتوى تعتبر بالمقابل مناسبة جديدة لطرح نقاش أعمق حول نقطة أساسية: تتعلق بتداخل المرجعيتين الدينية والدنيوية في مجال التشريع الذي ينظم حياة المغاربة.

يجمع علماء الدين التقليديون الرسميون أي فقهاء البلاط ،على أن الفتوى لا تساوي إطلاقا قانونا، وإن تعرضت إلى جوانب من الحياة العامة التي يفترض أن القانون ، كما يصدر عن الهيآت المدنية، ينظمها.

  في نظرهم:"مهمة المفتي هي بالأساس تكييف  وقائع وسلوكات طارئة على المسلمين مع مرجعيتهم الدينية حتى لا يقع تعارض، وإن كان هناك تعارض يصير لزاما عليه البحث عن كيفية إبطاله. لكن طبعا باعتماد مقاييس فقهية مضبوطة وبمراعاة تبدل أحوال الناس والتشاور مع كافة الأطراف ذات الخبرة والدراية بموضوع الفتوى"، اضافة الى ان في نظر فقهاء السلطان أن الفتوى "ليست حكما شرعيا وإنما هي بيان حكم شرعي".
ومن جهته يرى محمد الطوزي، الأستاذ الباحث في العلوم الاجتماعية، أنه "لا مقارنة إطلاقا بين الفتوى والقانون ولا ما بين الفتوى وأحكام الشريعة. فهي لا تلزم لا البرلمان ولا الحكومة"، موضحا أن مصطلح "فتوى" في حد ذاته يعتبر دخيلا على الثقافة الدينية للمغاربة. "المعروف في الثرات الفقهي المغربي هو "النازلة"، بمعنى أن فردا معينا أو حتى السلطان يستفتي فقيها عالما بأمور الدين حول حكم الشرع في نازلة معينة، فيصدر الفقيه فتوى خاصة بصاحب السؤال بمفرده ولا تلزم أحد غيره".
ثمة إذن تمييز "علمي" بين القانون أو الشرع والفتوى، غير أن الممارسة العملية وكثيرا من الوقائع السياسية الدالة تفيد العكس، وتؤكد أن هناك تداخلا بين مجالي الفتوى والقانون في عدد من الحالات، سواء تلك التي يفتي فيها "شيخ" بمقتضى سلطته الدينية الذاتية أو تلك التي تصدر عن مؤسسة الهيأة العليا للإفتاء. ولو أن الفتوى لا تتخذ في نهاية المطاف شكل قانون تشريعي ملزم وعام وآمر.
لعل أبرز مثال في هذا الصدد هو فتوى المغراوي نفسه، فالرجل، وبغض النظر عن أن فتواه غير ملزمة ولن تصدر في شكل قانون، إلا أنها عمليا تشرع حكما يمس مجال الأسرة أو الأحوال الشخصية المنظم أصلا بقانون توافق عليه المغاربة. المغراوي شيخ له على أتباعه سلطة ولا يتصور أن فتواه ستكون عديمة الأثر في سلوك وتفكير هؤلاء الأتباع. أو لم يستفق المغاربة فجأة على إخوان لهم يعيشون بين ظهرانيهم يرفضون توثيق عقود "النكاح" ويقاطعون الانتخابات والتلفزيون... ويجاهدون في "الكفار" بناء على فتاوى خاصة؟ ،بالتأكيد هناك تناقض بين مجالي الفتوى والقانون الوضعي وهذه الازدواجية ستستمر بسبب إقبال المجتمع على طلب الفتوى، خاصة في دولة لم تحسم الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي.

على أن هناك وجها آخر للمسألة لعله الأكثر تعقيدا. ذلك أن الفتوى، سواء اتفقنا على أنها بمثابة قانون أو اكتفينا باعتبارها مجرد بيان لحكم شرعي، ومهما بلغت مرونة الترسانة الفقهية التي يعتمد عليها صاحبها، لا يجدر بها أن "تحل حراما أو تحرم حلالا" كما يقول الفقهاء. والحال أن أفق انتظارات البشر، والمسلمون جزء منهم، أوسع بكثير مما "حرمه الإسلام وما أحله". كم حرم التاريخ، بكل ما يختزله من معاني التقدم والتحديث، من حلال وكم أحل من حرام؟.

ان فتوى المغراوي، مثار الجدل، من وجهة النظر الحداثية  "متخلفة" ،مادام أن ظروف وثقافة وذوق المجتمع الذي نشأت فيه ونقلت منه إلينا مجتمع اندثر منذ قرون عديدة، الا ان منطقها مطلق لا يقبل الجدل، أو كما قال صاحبها "من طعن فيها فإنه يطعن في رسول الله"، في حين أن منطق الديمقراطية ينبني على "النسبية".
 من هنا تصبح الفتوى خطر على المجتمع و الدولة، رغم ان الدولة هي من ترعى التطرف الديني بمحاولتها التوفيق بين النص الديني و القانون المدني، حيث يصبح المتطرفون ينافسون الدولة في الالتزام بمضامن النص الديني ،و هنا يتم تكريس ثقاقة الفتوى لدى الجماهير و تغليبها على ثقافة القانون.

هناك تعليق واحد:

marrokia يقول...

ملحوظة:
الشيخ المغراوي لم يصدر فتوى بزواج طفلة 9 سنوات
بل كان ذلك مجرد رأي للاجابة عن سؤال وهناك فرق بين الاثنين
سلاموووووووو